ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
160
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
ومن هذا الباب أيضا ما أوردناه في صدر هذا النوع وهو قول أبي الطيب « 1 » المتنبي : ولم أر مثل جيراني ومثلي * لمثلي عند مثلهم مقام فهذا هو التكرير الفاحش الذي يؤثر في الكلام نقصا ، ألا ترى أنه يقول : لم أر مثل جيراني في سوء الجوار ، ولا مثلي في مصابرتهم ومقامي عندهم ، إلا أنه قد كرر هذا المعنى في البيت مرتين . وعلى نحو من ذلك جاء قوله أيضا : وقلقلت بالهمّ الّذي قلقل الحشى * قلاقل عيس كلّهنّ قلاقل وأما القسم الثاني من التكرير ، وهو الذي يوجد في المعنى دون اللفظ ؛ فذلك ضربان : مفيد ، وغير مفيد . الضرب الأول : المفيد ، وهو فرعان . الأول : إذا كان التكرير في المعنى يدل على معنيين مختلفين ، وهو موضع من التكرير مشكل ؛ لأنه يسبق إلى الوهم أنه تكرير يدل على معنى واحد . فمما جاء منه حديث حاطب بن أبي بلتعة في غزوة الفتح ، وذاك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أمر علي بن أبي طالب والزّبير والمقداد رضي اللّه عنهم فقال : « اذهبوا إلى روضة خاخ ؛ فإن بها ظعينة معها كتاب ، فأتوني به » قال علي رضي اللّه عنه : فخرجنا تتعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة ، وإذا فيها الظعينة ، فأخذنا الكتاب من عقاصها ، وأتينا به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وإذا هو من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض شأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال له : ما هذا يا حاطب ؟ فقال : يا رسول اللّه ، لا تعجل عليّ ، إني كنت امرأ ملصقا في قريش ، ولم أكن من أنفسهم ، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابة تحمون بها أموالهم وأهليهم بمكة ، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب أن أتّخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي ، وما فعلت ذلك
--> ( 1 ) مضى هذا البيت في ( ص 148 ) من هذا الجزء .